ابن سيده

104

المحكم والمحيط الأعظم

وتكون بمنزلةِ أمْ للاستفهام . وتكون بمنزلةِ بَلْ . وتَكون بمنزلة قد ، كقولة عَزَّ وجَلَّ : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [ الإنسان : 1 ] وقولُهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ ق : 30 ] قالوا : معناه : قد امتلأتِ ، قال ابنُ جِنى : هذا تفسير على المعنى دون اللفظ ، وهلْ مُبْقاة على استفهامها ، وقولُها : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أي أتعلم يا رَبَّنا أن عِندى مزيدا ؛ فجواب هذا منه عَز اسمُه : لا ، أي فكما تَعلمُ أن لا مزيدَ فَحسبى ما عندي . وتكون بمعنى الجزاءِ . وتكون بمعنى الجَحْدِ . وتكون بمعنى الأمرِ ، قال الفراء : سمِعتُ أعرابيّا يقول : هَل أنتَ ساكت ، بمعنى اسكتْ . هذا كله قول ثعلب ورِوايته . وجعل أبو الدُّقَيش هلْ التي للاستفهام اسماً فَأعرَبه وأدخل عليه الألِفَ واللامَ ، وذلك أنه قال له الخليلُ : هل لك في زبدٍ وَتمرٍ ؟ فقال أبو الدُّقَيش : أشَدُّ الهَلِّ وأوحاه ، فجعله اسماً كما ترى ، وعرّفه بالألفِ واللام ، وزاد في الاحتياط بأن شَدّده غيرَ مُضطَرّ ، لتكتمِل له عِدَّةُ حُروفِ الأصولِ وهي الثلاثة ، وسمعه أبو نُواسٍ فَتلاه ، فقال للفَضلِ بن الربيعِ : هَلْ لكَ - والهَلُّ خِيَرْ - * فيمنْ إذا غبِتَ حَضرْ « 1 » وقوله : وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهَراقة * فَهلْ عندَ رَسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ « 2 » قال ابن جِنى : هذا ظاهِره استفهام لِنَفسه ، ومعناه التحضيضُ لها على البكاء ، كما تقول : أحسَنتَ إلىَّ فهل أشكُرك ؟ أي فلأشكُرنَّك ، وقد زُرتنى فهَل أُكافئُكَ ؟ قال ابنُ جِنى : وقوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ يمكن عندي أن تكون مُبقاةً في هذا الوضع على بابِها من الاستفهام . فكأنه قال : - واللَّه أعلم - وهل أَتى على الإنسانِ هذا ؟ فلا بدَّ في جوابهم من نعَم مَلفوظا بها أو مُقَدَّرةً ، أي فكما أن ذلك كذلك فينبغي للإنسان

--> ( 1 ) الرجز لأبى نواس في ديوانه ( 1 / 512 ) ؛ ولسان العرب ( هلل ) ، وتاج العروس ( هلل ) ؛ ويروى عجزه في اللسان : * في ماجِدٍ ثبْتِ الغَدَرْ ؟ * . ( 2 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 9 ؛ وخزانة الأدب ( 3 / 448 ) ، ( 5 / 277 ) ؛ ولسان العرب ( عول ) ، ( هلل ) ؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ( 9 / 274 ) ؛ وهمع الهوامع ( 2 / 77 ) .